أحمد بن محمد مسكويه الرازي
306
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
فراقه ، فهي في غاية الشقاء والبعد من ذاتها وجوهرها سالكة إلى أبعد جهاتها من مستقرها ، طالبة قرار ما لا قرار له . واما من ظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما اتفق ان تتقدم الموت وتؤدي اليه ، فعلاجه ان نبيّن له ان هذا ظن كاذب ، لأنّ الألم إنّما يكون للحي ، والحي هو القابل اثر النفس ، واما الجسم الذي ليس فيه اثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس ، فإذا الموت الذي هو مفارقة النفس للبدن لا ألم له ، لأن البدن إنما كان يألم ويحس بأثر النفس فيه ، فإذا صار جسما لا اثر فيه للنفس فلا حس له ولا ألم . فقد تبين ان الموت حال للبدن غير محسوس عنده ولا مؤلم لأنه فراق ما كان يحس ويتألم . ب ) الخوف من الموت لأجل العقاب : فاما من خاف الموت لأجل العقاب الذي يوعد به ، فينبغي ان نبين له انه ليس يخاف الموت بل يخاف العقاب ، والعقاب انما يكون على شيء باق بعد البدن الدائر ، ومن اعترف بشيء باق منه بعد البدن وهو لا محالة معترف بذنوب له وافعال سيئة يستحق عليها العقاب ، ومع ذلك هو معترف بحاكم عدل يعاقب على السيئات لا على الحسنات ، فهو إذا خائف من ذنوبه لا من الموت ، ومن خاف عقوبة على ذنب فالواجب عليه ان يحذر ذلك الذنب ويجتنبه ، وقد بينا في ما تقدم ان الافعال الرديئة التي تسمى ذنوبا إنما تصدر عن هيئات رديئة ، والهيئات الرديئة هي للنفس وهي الرذائل التي احصيناها وعرفناك اضدادها من الفضائل . فإذن : الخائف من الموت على هذه الطريقة ومن هذه الجهة فهو جاهل بما ينبغي ان يخاف منه وخائف مما لا اثر له ولا خوف منه ، وعلاج الجهل هو العلم ، فإذا